محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
23
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
الآية العاشرة قوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً « 1 » وفي سورة إبراهيم « 2 » : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً . للسائل أن يسأل فيقول : لم كان في هذه السورة بلد نكرة ، وفي سورة إبراهيم معرفة ؟ الجواب : عن ذلك من وجهين : أحدهما : أن يقال : الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدا فكأنه قال : اجْعَلْ هَذَا الوادي هَذَا الْبَلَدَ آمِناً لأن اللّه تعالى حكى عنه أنه قال : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ « 3 » بعد قوله : اجْعَلْ هَذَا الوادي بَلَداً ووجه الكلام فيه تنكير « بلد » الذي هو مفعول ثان ، وهذا مفعول أول . . والدعوة الثانية وقعت وقد جعلت بلدا فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي صيرته كما أردت ، ومصرته كما سألت ذا أمن على من أوى إليه ، فيكون : الْبَلَدَ على هذا عطف بيان على مذهب سيبويه وصفة على مذهب أبي العباس المبرد ، و آمِناً مفعولا ثانيا ، فعرّف حين عرف بالبلدية ، ونكر حيث كان مكانا من الأمكنة غير مشهور بالتمييز عنها بخصوصية من عمارة وسكنى الناس . الجواب الثاني : أن تكون الدعوتان واقعتين بعد ما صار المكان بلدا وإنما طلب من اللّه أن يجعله آمِناً والقائل يقول : اجعل ولدك هذا ولدا أديبا ، وهو ليس بأمره بأن يجعله ولدا ؛ لأن ذلك ليس إليه ، وإنما يأمره بتأديبه ، فكأنه قال : اجعله بهذه الصفة وهذا كما يقول : كن رجلا موصوفا بالسخاء وليس يأمره أن يكون رجلا ، وإنما يأمره بما جعله وصفا له من السخاء ، فذكر الموصوف ، وأتبعه الصفة ، وهو كما تقول : كان اليوم يوما حارا ، فتجعل يوما : خبر كان وحارا : صفة له ، ولم تقصد أن تخبر عن اليوم بأنه كان يوما ؛ لأنه يصير خبرا غير مفيد ، وإنما القصد أن تخبر عن اليوم بالحر ، فكان الأصل أن تقول : كان اليوم حارا وأعدت لفظ يوم لتجمع بين الصفة والموصوف ، فكأنك قلت : كان
--> ( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 126 . ( 2 ) الآية : 35 . ( 3 ) سورة : إبراهيم ، الآية : 37 .